ابن كثير

293

البداية والنهاية

الثلاثاء الثامن والعشرين من جمادى الآخرة ، وصلي عليه من الغد بالجامع الأموي بعد الظهر ودفن بمقابر باب الصغير . وكان مولده في ثاني ربيع الأول سنة ثمانين وستمائة ، فجمع الكثير وتفرد بالرواية عن جماعة في آخر عمره ، وانقطع بموته سماع السنن الكبير للبيهقي ، رحمه الله . ووقع حريق عظيم ليلة الجمعة خامس عشر رجب بمحلة الصالحية من سفح قاسيون ، فاحرق السوق القبلي من جامع الحنابلة بكماله شرقا وغربا ، وجنوبا وشمالا . فإنا لله وإنا إليه راجعون . وفي يوم الجمعة خامس شهر رمضان خطب بالجامع الذي أنشأه سيف الدين يلبغا الناصري غربي سوق الخيل وفتح في هذا اليوم وجاء في غاية الحسن والبهاء ، وخطب الشيخ ناصر الدين بن الربوة الحنفي ، وكان قد نازعه فيه الشيخ شمس الدين الشافعي الموصلي ، وأظهر ولاية من واقفه يلبغا المذكور ، ومراسيم شريفة سلطانية ، ولكن قد قوي عليه ابن الربوة بسبب أنه نائب عن الشيخ قوام الدين الاتقاني الحنفي ، وهو مقيم بمصر ، ومعه ولاية من السلطان متأخرة عن ولاية الموصلي ، فرسم لابن الربوة ، فلبس يومئذ الخلعة السوداء من دار السعادة وجاؤوا بين يديه بالسناجق السود الخليفية ، والمؤذنون يكبرون على العادة ، وخطب يومئذ خطبة حسنة أكثرها في فضائل القرآن ، وقرأ في المحراب بأول سورة طه ، وحضر كثير من الأمراء والعامة والخاصة ، وبعض القضاة ، وكان يوما مشهودا ، وكنت ممن حضر قريبا منه . والعجب أني وقفت في شهر ذي القعدة على كتاب أرسله بعض الناس إلى صاحب له من بلاد طرابلس وفيه : والمخدوم يعرف الشيخ عماد الدين بما جرى في بلاد السواحل من الحريق من بلاد طرابلس إلى آخر معاملة بيروت إلى جميع كسروان ، أحرق الجبال كلها ومات الوحوش كلها مثل النمور والدب والثعلب والخنزير من الحريق ، ما بقي للوحوش موضع يهربون فيها ، وبقي الحريق عليه أياما وهرب الناس إلى جانب البحر من خوف النار واحترق زيتون كثير ، فلما نزل المطر أطفأه بإذن الله تعالى - يعني الذي وقع في تشرين وذلك في ذي القعدة من هذه السنة - قال ومن العجب أن ورقة من شجرة وقعت في بيت من مدخنته فأحرقت جميع ما فيه من الأثاث والثياب وغير ذلك ومن حلية حرير كثير ، وغالب هذه البلاد للدرزية والرافضة . نقلته من خط كاتبه محمد بن يلبان إلى صاحبه ، وهما عندي بقبان فيالله العجب . وفي هذا الشهر - يعني ذي القعدة - وقع بين الشيخ إسماعيل بن العز الحنفي وبين أصحابه من الحنفية مناقشة بسبب اعتدائه على بعض الناس في محاكمته ، فاقتضى ذلك إحضاره إلى مجلس الحكم ثلاثة أيام كمثل المتمرد عندهم ، فلما لم يحضر فيها حكم عليه القاضي شهاب الدين الكفري نائب الحنفي بإسقاط عدالته ، ثم ظهر خبره بأنه قصد بلاد مصر ، فأرسل النائب في أثره